ابن ميثم البحراني
162
شرح نهج البلاغة
كَانِفَةٌ دُونَ أَقْصَى بِلَادِهِمْ - لَيْسَ بَعْدَكَ مَرْجِعٌ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ - فَابْعَثْ إِلَيْهِمْ رَجُلًا مِحْرَباً - واحْفِزْ مَعَهُ أَهْلَ الْبَلَاءِ والنَّصِيحَةِ - فَإِنْ أَظْهَرَ اللَّهُ فَذَاكَ مَا تُحِبُّ - وإِنْ تَكُنِ الأُخْرَى - كُنْتَ رِدْءاً لِلنَّاسِ ومَثَابَةً لِلْمُسْلِمِينَ أقول : ذلك حين خرج قيصر الروم في جماهير أهلها إلى المسلمين ، وانزوى خالد بن الوليد فلازم بيته وصعب الأمر على أبى عبيدة بن الجرّاح . وشرحبيل بن حسنة وغيرهما من أُمراء سرايا الإسلام . وحوزة كلّ شيء : بيضته وجمعيّته . وكنفه : حفظه وآواه . والمحرب بكسر الميم : الرجل صاحب حروب . وحفز كذا : أي دفعه . وحفزه ضمّه إلى غيره . وأظهر اللَّه على فلان : نصر عليه . والردء : العون . والمثابة : المرجع . وقوله : وقد توكَّل اللَّه . إلى قوله : لا يموت . صدر لهذه النصيحة والرأي ، نبّه فيه على وجوه التوكَّل على اللَّه والاستناد إليه في هذا الأمر ، وخلاصتها أنّه ضمن إقامة هذا الدين وإعزاز حوزة أهله ، وكنّى بالعورة عن هتك الستر في النساء ، ويحتمل أن يكون استعارة لما يظهر عليهم من الذلّ والقهر لو أصيبوا فضمن سبحانه ستر ذلك بإفاضة النصر عليهم ، وهذا الحكم من قوله تعالى « وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً » ( 1 ) . وقوله : والَّذي نصرهم . إلى آخر الصدر . احتجاج في هذه الخطابة يشبه أن يكون تمثيلا ، وتلخيصه أنّ الَّذي نصرهم حال قلَّتهم حيّ لا يموت فهو ينصرهم حال كثرتهم . فأصل التمثيل هو حال قلَّتهم وفرعه حال كثرتهم ، وحكمه النصر وعلَّة ذلك الحكم هو حياته الباقية الَّتي لا يعاقبها موت .
--> ( 1 ) 24 - 54 .